السيد محمد تقي المدرسي
403
من هدى القرآن
يرد على هؤلاء مستنكرا : إن هذا العذاب البسيط الذي لا يعدو كونه فتنة لا يساوي ذلك العذاب الشديد الدائم الذي ينتظركم . إن هناك فرقا في التعبير القرآني بين الفتنة والعذاب ، حيث نستوحي من لفظة الفتنة محدوديتها زمانا ومكانا ، بالنسبة للفرد أو الجماعة ، وإن الهدف منها هو اختبار الإنسان في إيمانه ليس إلا ، أما العذاب فإنه نتيجة لتلك الفتنة ، فحينما يذهب المرء إلى قاعة الامتحانات فإنه لا يلبث إلا قليلا ثم يعود بعدها إلى منزله ، ولكن نتيجة تلك السويعات القليلة تستمر معه بعد ذلك وربما تصل إلى سنين عديدة ، فالفتنة إذا تساوي بمحدوديتها العذاب بدوامه واستمراره ، وقد ورد في الدعاء : « يا رَبِّ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفي عَنْ قَليل مِنْ بَلاءِ الدُّنْيا وَعُقُوباتِها وَما يَجْري فيها مِنَ المَكارِهِ عَلى أَهْلِها ، عَلى أَنَّ ذلِكَ بَلاءٌ وَمَكْرُوهٌ قَليلٌ مَكْثُهُ ، يَسيرٌ بَقاؤُهُ ، قَصيرٌ مُدَّتُهُ ، فَكَيْفَ احْتِمالي لِبَلاءِ الآخِرَةِ وَجَليلِ وُقُوعِ المَكارِهِ فيها وَهُوَ بَلاءٌ تَطُولُ مُدَّتُهُ وَيَدُومُ مَقامُهُ وَلا يُخَفَّفُ عَنْ أَهْلِهِ لِانَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ غَضَبِكَ وَاْنتِقامِكَ وَسَخَطِكَ » « 1 » . وتشير الآيات القرآنية بعد ذلك إلى الأخطاء المنتشرة في المجتمع ، ولكنها قبلئذ تذكر بأن الأفكار الخاطئة تشبه الجرائم الخطيرة التي إذا تكاثرت على قلب الإنسان حجبته عن الخير ، وقضت على كل أثر للسلامة عنده كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين : 14 ] ، ومثل على هذه الأفكار أن يقول إنسان لآخر : اعمل ما آمرك به وأنا المسؤول عن ذلك غدا عند الله . إن هذا القول لا ينفي مسؤولية المنفذ ، إذ إن من يتبع إنساناً مفسداً فإنه لا يستطيع الادعاء بأنه بريء ، ولا شك أن المتبوع مسؤول عند الله سبحانه ، ذلك لأن الإنسان يتحمل تبعة تضليل الآخرين فيعاقب عليها ، دون أن يسقط عنهم العقاب . وحين يبين القرآن الكريم هذه الحقيقة فلكي نتجنب الأفكار التبريرية التي تحول بين الإنسان ورؤيته للحقيقة ، والتي تجعل الفكر مقيدا بحدود ضيقة ، لا يرى خلالها الواقع كما هو . بدلا من تبني هذه الأفكار الخاطئة أو اعتناقها ، فإن على الإنسان أن ينفتح على الحياة ، ويرى الحقائق ببصيرة ثاقبة دون حجب ، وينزع عن عينيه تلك النظارات القاتمة . وهناك كثير من الناس يضع على عينيه نظارات حمراء وخضراء وسوداء ، ولكن على شكل كتب وإعلام مضلل ، فلا ينتبهون لذلك التضليل . إن تلك الكتب المزركشة وذلك الإعلام الضال يزرعان في الأذهان تفسيرات خاطئة للأحداث وتبريرات مبتدعة للجرائم
--> ( 1 ) البلد الأمين : ص 189 ، من دعاء كميل .